الشيخ السبحاني
81
رسائل ومقالات
الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السلام عندما سأله سائل بقوله : ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس إلّا غضاضة ؟ فأجاب عليه السلام : « إنّ اللَّه تعالى لم يجعله لزمان دون زمان ، ولا لناس دون ناس ، فهو في كلّ زمان جديد وعند كلّ قوم غضّ إلى يوم القيامة . « 1 » نرى أنّ الإمام الرضا عليه السلام لا يشير في هذا الحديث إلى موضوع خلود القرآن فقط ، بل يشير أيضاً إلى سرّ خلوده وبقائه غضاً جديداً لا يتطرق إليه البلى والذبول . فكأنّ القرآن هو النسخة الثانية لعالم الطبيعة الواسع الأطراف الذي لا يزيد البحث فيه والكشف عن حقائقه وأسراره ، إلّا إذعان الإنسان بأنّه في الخطوات الأُولى من التوصل إلى مكامنه الخفية في أغواره ، فانّ كتاب اللَّه تعالى كذلك لا يتوصل إلى كلّ ما فيه من الحقائق والأسرار ، لأنّه منزل من عند اللَّه الذي لا تتصور له نهاية ، ولا يمكن تحديده بحدود وأبعاد ، فيجب أن تكون في كتابه لمعة من لمعاته ، ويُثبت بنفسه أنّه من عنده ، ويتوفر فيه ما يدلّ على أنّه كتاب سماوي ليس من صنع البشر ، وهو خالد إلى ما شاء اللَّه تعالى . إنّ نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم هو أوّل من لفت الأنظار إلى تلكم المزية وانّ هذه المزية من أهم خصائصه ، حيث يقول في وصفه للقرآن : « له ظهر وبطن ، وظاهره حكم وباطنه علم ، ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له تخوم وعلى تخومه تخوم ، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة » . « 2 » فلنستعرض مثالًا نبين فيه دور الزمان في كشف اللثام عن مفهوم الآية . إنّه سبحانه يصف عامة الموجودات بالزوجية من دون فرق بين ذي حياة
--> ( 1 ) . البرهان في تفسير القرآن : 1 / 28 . ( 2 ) . الكافي : 2 / 599 ، كتاب القرآن .